الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
246
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهو على هذا تعريض بالمشركين الذين استهزءوا بالمؤمنين كقوله تعالى : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا في سورة قد أفلح المؤمنون [ 110 ] . وقد جاء لفظ السخري بمعنى الاستهزاء في آيات أخرى كقوله تعالى : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ [ المؤمنون : 110 ] وقوله : أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ [ ص : 63 ] . ولعل الذي عدل ببعض المفسرين عن تفسير آية سورة الزخرف بهذا المعنى استنكارهم أن يكون اتخاذ بعضهم لبعض مسخرة علة لفعل اللّه تعالى في رفعه بعضهم فوق بعض درجات ، ولكنّ تأويل اللّفظ واسع في نظائره وأشباهه . وتأويل معنى اللام ظاهر . وجملة وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ تذييل للرد عليهم ، وفي هذا التذييل ردّ ثان عليهم بأن المال الذي جعلوه عماد الاصطفاء للرسالة هو أقل من رحمة اللّه فهي خير مما يجمعون من المال الذي جعلوه سبب التفضيل حين قالوا : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] فإن المال شيء جمعه صاحبه لنفسه فلا يكون مثل اصطفاء اللّه العبد ليرسله إلى النّاس . ورحمة اللّه : هي اصطفاؤه عبده للرسالة عنه إلى الناس ، وهي التي في قوله : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ، والمعنى : إذا كانوا غير قاسمين أقل أحوالهم فكيف يقسمون ما هو خير من أهم أمورهم . [ 33 - 35 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 33 إلى 35 ] وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 ) وَلَوْ لا حرف امتناع لوجود ، أي حرف شرط دلّ امتناع وقوع جوابها لأجل وقوع شرطها ، فيقتضي أن اللّه أراد امتناع وقوع أن يكون الناس أمة واحدة ، أي أراد الاحتراز من مضمون شرطها . لما تقرر أن من خلقهم تعظيم المال وأهل الثراء وحسبانهم ذلك أصل الفضائل ولم يهتموا بزكاء النّفوس ، وكان اللّه قد أبطل جعلهم المال سبب الفضل بإبطالين ، بقوله : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [ الزخرف : 32 ] وقوله : وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ الزخرف : 32 ] ، أعقب ذلك بتعريفهم أن المال والغنى لا حظّ لهما عند اللّه تعالى فإن اللّه أعطى كل شيء خلقه وجعل للأشياء حقائقها ومقاديرها فكثيرا ما يكون المال للكافرين